المجتمع

رحيل فارس النقد الأدبي: سعيد السريحي يترك إرثًا من الصدق والشجاعة

وائل العتيبي _ جده| بقلوب مليئة بالحزن والألم، نودع واحدًا من أبرز رموز الحداثة الأدبية في المملكة العربية السعودية والوطن العربي، الكاتب والناقد والصحفي الكبير الدكتور سعيد السريحي.

كان السريحي فارسًا للنقد الأدبي، لم يختبئ خلف “الأقنعة”، بل كان يرى النقد موقفًا ومسؤولية اجتماعية. لقب رائد النقد والحداثة، وصوتها، كما وُصف بـ “المشاغب المعرفي” لقدرته على تفكيك الخطاب الثقافي والاجتماعي السائد وطرح تساؤلات جريئة خارج “القوالب الجاهزة”.

في الثمانينات، كان السريحي من أوائل المدافعين عن تيار الحداثة الأدبية في السعودية، مواجهًا حملات نقدية وفتاوى تكفير من التيارات المتطرفة في ذلك الوقت. يُعد رفضه “التوبة” عن أفكار رسالته للدكتوراه “التجديد في اللغة الشعرية” في جامعة أم القرى عام 1989 أبرز مواقفه التي تثبت شجاعته الأدبية.

طوال مسيرته، كان السريحي قويا وهادئا، يملك استنارة فكرية وأخلاق فرسان. لقد أثارت دراساته “غواية الاسم: سيرة القهوة وخطاب التحريم” جدلاً حول منهجه في قراءة التراث الديني والاجتماعي، حيث انتقد البعض سعيه لزحزحة المسلمات وتفكيك الخطابات المستقرة. الكتاب يعتبر مرجعاً هاماً لفهم “اجتماعيات القهوة” وكيف شكلت جزءاً جوهرياً من الموروث الثقافي السعودي والعربي رغم “خطاب التحريم” الذي واجهته في بداياتها.

يعرض الكتاب التناقضات بين نظرة الفقهاء للقهوة كـ “منشط” أو “مخدر”، وبين قبولها الاجتماعي النهائي، مما يعكس مرونة الثقافة والمجتمع في تبني العادات الجديدة. ولا يقف السريحي عند توثيق الوقائع، بل يغوص في التحولات النفسية والاجتماعية التي صاحبت انتشار القهوة وتطورها.

ارتبط اسمه بصحيفة عكاظ لأكثر من 30 عامًا، حيث شغل مناصب قيادية منها مساعد رئيس التحرير، واشتهر بزاويته اليومية “ولكم الرأي”. علم الكثير، وأنا أحد تلامذته في كتابة الخبر الصحفي.

في سنواته الأخيرة، واجه انتقادات من جمهور الأدب الشعبي بسبب تشكيكه في قيمة “الجماهيرية” كمعيار وحيد للجودة الأدبية. يُؤخذ على بعض أحكامه النقدية طابعها “البلاغي” الزائد، مثل وصفه للشاعر محمد الثبيتي بأننا “انتظرنا ألف عام حتى جاء”، وهو ما اعتبره البعض حكماً انفعالياً يطغى على التجريد النقدي العلمي. لكني أراها شجاعة مفرطة منه وقناعة ثابتة.

رحل السريحي، لكن أفكاره وآرائه النقدية الجريئة ستبقى حية في وجداننا، وستظل مصدر إلهام للجيل الجديد من الكتاب والنقاد.

إلى روحه الطاهرة:
نقول وداعًا، سعيد السريحي، فارس النقد الأدبي، وصديق الصدق والصراحة.

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com

اكتشاف المزيد من صحيفة البلد الإلكترونية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading