جزيرة الفضائل…..

سئمتُ الأضواء،ولم تَعُد تُغريني فلاشات المصوّرين ولا كلمات المعجبين. كرِهتُ الرتابة والروتينَ الممل.
وكم أعجب من حال الحاسدين والحاقدين وأصحاب المصالح، ومن يدّعون أنهم مخلصون لك؛
والواقع أن كل واحد منهم يطلب مآربه، مهما حاولتَ مساعدته أو مددتَ له يد العون لعلّك تصلح ما يمكن إصلاحه، إلا أنهم في حقدهم ماضون، ولمصالحهم محاربون.
وكلما مرّ بي يوم ازددتُ نُفورًا منهم، ورغبةً في الابتعاد والبحث عن أناسٍ آخرين. فعزمتُ على الرحيل إلى جزيرة الأخيار والفضائل؛
إلى تلك الجزيرة التي يحبّ أهلها الخير للجميع، ويتفقدون أحوال بعضهم، بل ويتفانون في ذلك، لا حسد ولا حقد ولا مكر ولا خديعة.
هناك حيث يعلم الجميع أن الرزق مقسوم، وأنه بيد الرزّاق الكريم، وأن الحياة ليست كلها مادّة. جزيرةٌ جمع أهلُها كلَّ الفضائل، فكل يوم يحدوني الأمل أن أكون أحد سكانها.
أخرجتُ قاربي القديم الذي غطّاه الغبار، وأخذتُ أُنفضُ ما عليه من تراب، وأقول في نفسي:
«هذه آخر مرة يكسوك فيها الغبار، فستكون رفيقي إلى جزيرتي الغالية».حزمتُ أمتعتي وأبحرتُ نحو هدفي المنشود:
سماءٌ وماء… زُرقةٌ هنا وهناك، لكن عينَيّ تراقبان الأفق البعيد،
ونفسي تحلم بالسعادة الحقيقية، وتبحث عن الفضائل التي انعدمت وباتت نادرةً في مجتمعاتنا المعاصرة. طال إبحاري، وأضناني البحث، ونفدت زوادتي،
فغلبني العطش والجوع حتى فقدتُ الوعي، لأدخل في حلمٍ جميل أوصلني إلى عالم تلك الجزيرة. يا الله… ما أجملها وأكرمَ أهلها!
قوبلتُ بأجمل ترحيب، والجميع يهنّئني بسلامة الوصول. الكل فرِحٌ بي، وكل واحدٍ منهم حديثُه أرقى من الآخر.
مرافق المدينة وحدائقها مُطرَّزة بالحِكم والأمثال، وكل شارعٍ يحمل اسمًا ذا معنى جميل يحفّز الناس ويُعزز انتماءهم لتلك الفضائل:
شارع الأُخوّة، حديقة النبلاء، دوّار الشاكرين، مسجد المحسنين، مدرسة التقوى، وبقالة الأمانة…
ما أروع ما رأيت!
وأدهشني أنّه لا أحد يتدخل في شؤون الآخر، بل يذكرون بعضهم بالخير، ويُحفظون المعروف مهما كان بسيطًا.
وإذا سألتَ أحدهم عن حاله، أجاب: «بخير ولله الحمد» حتى لو كانت ظروفه صعبة. فالابتسامة لا تفارق وجوههم، ويُحسنون الظن ببعضهم، وكنتُ كل يوم أزداد سعادة وأشعر بأنني في أحسن حال.
لم أسمع بينهم قيلًا ولا قالًا، ولا «فلان لعين» أو «فلان سارق» أو «فلان تعدّى على فلان»…حياةٌ بسيطة لكنها عظيمة، كنتُ أفتقدها وأحلم بها.
وتمنّيتُ لو أن الجميع يرون كيف يعيش سكانها: كيف يحترم الصغيرُ الكبير، ويعطف الكبيرُ على الصغير،وأن للمرأة حقوقها وكرامتها،
وأن العادات والتقاليد البنّاءة مقدّسة لديهم.تعاملهم كأسرة واحدة ولكن على نطاقٍ أوسع. وكنتُ أتمنى أن يكون كل من أحبّهم معي هناك؛ فمع أن كل شيء أسعدني في تلك الجزيرة، إلا أنني افتقدتهم،
وأصبح الشوق يحدوني إليهم أكثر وأكثر. كنتُ عازمًا على إحضارهم ليشاركوني هذه السعادة ونعيمها،
ولكن… تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.موجةٌ عاتية ضربت قاربي الصغير، وتدفقت مياه البحر المالحة إلى داخله، وابتلّ وجهي… فاستيقظت، وينقضي حلمي الجميل، الذي أعطاني درسًا عظيمًا في حياتي: ألا أبحث عن السعادة في مكان بعيد عن مجتمعي، بل أعيش بينهم وأتعايش مع من هم جزء مني،
وأحاول أن آخذ بأيديهم لنكون أناسًا بنّاءين ومؤثرين فيمن حولنا، ونُصلح ما يمكن إصلاحه، ونكون يدًا بيد نحو غدٍ أجمل ومجتمعٍ أفضل بإذن الله.
بقلم: خالد أبو ظهر الغامدي




